الشيوعي والشعبي... هل ما تزال الثقة في الإسلاميين كامنة؟

Alrakoba 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

الأربعاء 13 سبتمبر 2017


الشيوعي والشعبي... هل ما تزال الثقة في الإسلاميين كامنة؟

الشيوعي والشعبي... هل ما تزال الثقة في الإسلاميين كامنة؟

09-13-2017 10:54 PM

صلاح شعيب

استجابة الحزب الشيوعي السوداني لخطوات حزب المؤتمر الشعبي للتحاور حول الحل السلمي أثارت الجدل إزاء جدوى هذا التباحث السياسي الجديد بين الطرفين. وقد تراوحت الآراء وسط المؤيدين، والمعارضين، والمتحفظين، تجاه اجتماع القيادتين، خصوصا أنه تزامن مع رفض حزب البعث العربي الاشتراكي الوقوع في شراك يستهدف بها الشعبي مصلحة تخصه. وربما جاء الرفض البعثي للاجتماع نتيجة لإستراتيجية الشعبي التي تعتمد منذ حين شكلا غريبا من الموقف السياسي الملول و"الملولو". فالحزب يريد أن يبدو حكوميا ومعارضا في ذات الوقت. فمن جهة أغرقت الرئاسة، والبرلمان، قيادته التاريخية حتى صمتت عن الكلام المباح بينما هناك قيادات للشعبي من الجهة الأخرى ـ لم تجن التحاصص ـ تفاجئنا بين الحين والآخر بتصريحات لا يجيدها إلا المعارض حقا للحكومة.
وبين هذا الموقف وذاك نلاحظ بعض انفلات تنظيمي للشعبي مرده إلى غياب الزعامة الروحية للحزب التي كانت لها سطوتها التنظيمية القيادية. وربما نجم هذا الانفلات من وجود نذر لخلاف مكبوت وسط القيادات العليا نشأ لحظة التفكير في استخلاف الترابي، وتصاعد الخلاف قبل الانتخابات التي أتت بعلي الحاج للزعامة، وأرسلت السنوسي للرئاسة. وقد انبنى هذا التنصيب للقياديين في محاولة للتسوية أكثر من كونها محاولة لإنجاز مستحقات السياسة الإستراتيجية للحزب. ومؤخرا لاحظنا رفض شرف الدين بانقا النزول لرغبات الحزب بأن يكون من حصة عضويته للبرلمان، كما أن عبدالله أبو فاطمة قرر الابتعاد فيما تقدم أحمد إبراهيم الترابي باستقالته المبررة بأن علي الحاج ينفرد وحده بالقرار.
الحزب الشيوعي من الجهة الأخرى، وهو يدرك جيدا مكر الإسلاميين، رأى بناءً على تصريحات سكرتيره العام محمد مختار الخطيب، أنه يمكن أن يناور سياسيا وفي ذهنه المثل السوداني: الكضاب أمشي معاهو لغاية خشم الباب. ولكن رأت اللجنة المركزية أنه لا مانع من تكرار هذا المشي المرهق. وقد نتقف مع الشيوعي في أهمية التناور وسط الضباب الوطني. فالمناورات جزء أصيل في العمل السياسي وحتى العاطفي. ولكنها أحيانا بلا ثمرة، خصوصا إذا أدرك الشخص بوعيه الاستشرافي النتائج المخيبة للآمال حين يجعلك الموقف تناور الكذوب، والكذابين، والكاذبات.
وكذب علي الحاج، وجماعته، المعني هنا لا يتعلق بإخفاء حقيقتهم الانقلابية تلك مع بقية زملائهم في الجبهة الإسلامية القومية. وإنما تبين خلال تصريحاتهم المستمرة بعد المفاصلة بأنهم يريدون إسقاط النظام، حتى إن السنوسي هاج في شباب حزبه ذات مرة، وإذ هو آنذاك يرغى، ويزبد، كاد يصفهم بالخائفين من التظاهر ضد النظام. وحتى إذا جاملناهم، وقلنا إن جماعة الشعبي قد تغير رأيهم نزولا لمقتضى الديناميكية اللولبية للسياسة السودانية، فإنهم لم يتخلوا عن الكذب قط. وهيهات أن يراجعوا فتاواهم حول إباحة الكذب.
لقد صدعونا بأنهم لن يدخلوا في حوار ثنائي. ولكنهم دخلوها وصقيرا حام. حنوا للوزارات بينما أعينهم تحدق حتى نحو وظائف مدراء الجامعات. وقد صرح علي الحاج، بلا خجل، بأنه ينبغي أن يتقاسموا هذه الوظائف ذات الصبغة المهنية الأكاديمية مع المؤتمر الوطني. وزاد أن لأحزاب الوثبة السائلة والمحرومة حقا أيضا. والكذبة الثالثة هي أن قادة الشعبي قالوا إنهم لن يخونوا شيخهم ليقبلوا بالتفاف الحكومة حول تعديلات الترابي التي اقترحها لمسودة التعديلات الدستورية. وكما نعلم أن جانبا من تلك التعديلات انبنى على رؤى فقهية تتعلق بتراضي الزواج، وأخرى تتعلق بضرورة الحرية في مهتديات الإرث الإسلامي. ولكن لما توفى الترابي اهتبل المؤتمر الوطني الفرصة للعبث بتوصيات الوثبة. وذلك ما جعل الأمين العام للحزب، كمال عمر، يصرح حينذاك بأنهم لن يقبلوا بإضافة شولة، أو حذف مادة من التوصيات الحوارية. ولكن، في الشوط النهائي، هزمتهم بدرية سليمان بأن أفرغت كل تعديلات شيخهم من معناها. وهكذا قبلوا بالمحاصصة التي كانت ثمن المشاركة في الحوار. ذهب السنوسي للقصر، ورضي كمال عمر بالقسمة الضيزى بينما ذهب منصب النائب العام لصاحب دكتوراه مزورة. لا بد أن أساتذة الحزب الشيوعي المخضرمين يدركون هذا الاحتراف المشهدي للكذب، والذي يبرره الإسلاميون بدافع خدمة الدين كما تأكدنا بالتجربة. وأكده لنا لاحقا شيخ إسحق الذي افتخر بكذبه. لا، بل تأكد لنا أكثر عندما أعلمنا الكاتب المحبوب عبد السلام أن فتاوى الكذب والتعذيب قد جهزت، وأجيزت شرعيا لدى مجلس شورى الحركة الإسلامية ضمنيا.
ولكن الأسئلة الضرورية هي: ما هو الأمر الجلل الذي حمل حزب البلاد الشيوعي على ألا يوصد الباب أمام علي الحاج، وشيعته، كما فعل البعثيون بوضوح يُحسد؟ وإلى أي مدى تبلغ ثقة اللجنة المركزية للحزب في كل خطوة يفعلها الإسلاميون الشعبيون رغم هذا العلم القديم بكذبهم؟ ثم ألا تكفي تجربة تحالف الإجماع الوطني، والتي أثبتت أن الشعبي كان يهدف إلى مصلحته بعد أن قرر سحب عضويته من المشاركة في تظاهرات سبتمبر؟ وإلى أي مدى يملك الشعبي مفاتيح الحل السوداني – السوداني فيما نحن ندرك أن مشكلة البلاد تتمثل في عناد المؤتمر الوطني الذي يشاركه الشعبي بعض السلطة ويريد المزيد في المستقبل المنظور؟ ثم أوليس من الأجدى لعلي الحاج، وجماعته، أن يقنعوا من هم أقرب إليهم فقهيا لتبني رؤى الحل السلمي التي طرحوها للشيوعي، ومن ثم يسهل للقوى السياسية الاستجابة للحل السلمي المتصور إذا لمست كامل الجدية؟ ألم يكن قادة الشعبي مع ممثلي الرئيس في حوار الوثبة، وأتيحت لهم فرص كافية لإقناعهم بالتعديلات في ذلك القانون الأمني القامع ولكنهم نكثوا بوعدهم؟ وهناك أسئلة كثير تتعلق بغياب المصداقية في حرث علي الحاج ومن تبعوه لدار الحزب الشيوعي. ولكن تظل الإجابات ثابتة بأن الشعبي غير جاد، ويفتقد لغياب الرؤية التي تجعل منه حزبا قياديا، ويعتمد على قاعدة شحيحة، وغير مثمرة.
في السياسة الحركية كل شئ جائز. فالشيوعيون القياديون يراهنون على أن هذا التباحث حول الشأن الوطني مع الشعبي ربما ينجز شيئا في خاتم المطاف وقد لا ينجز. وهكذا السياسي يحب الانخراط في أي خطوة يحس أنها قد تدفعه للأمام. ولكن جماعة الشعبي أنفسهم ينخرطون في اجتماع مع الشيوعي بهدف تكتيكي مثل ما حدث مع حزب الأمة القومي، وربما غدا يتجهون نحو بوابة حزب المؤتمر السوداني أو يجتمعون مع الحركات، أو جناح عرمان وعقار، أو جناح الحلو. الشئ المؤكد أن الشعبي مهما اجتمع مع الدنيا كلها بخصوص وضع حل سلمي للشأن السوداني فإنه لا يملك الصدق السياسي. إنهم شريحة من الإسلاميين يفتقدون البوصلة السياسية، وغير مقنعين بأنهم دعاة تغيير للأفضل، ومع ذلك يلعبون بالتصريحات المتناقضة بظن أنهم سياسيون مهرة، أو أذكياء يضحكون على ذقون المعارضة. مشكلة إسلاميي الشعبي هي أنهم لم يكتشفوا بعد كيفية الحل الناجز للأزمة السودانية. وربما اكتشفوها ولكنهم يريدون أن يبقوا على المشكلة كما هي ما دام حلها الناجز مكلف لمستقبلهم السياسي. ولذلك تراهم في كل وادٍ سياسي يهيمون بلا صدق. لو كنت عضوا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لصوت ضد اللقاء مع الشعبي لأنه بلا ثمرة، ومضيعة للوقت، ويستجيب لإستراتيجية الشعبي بأن يبدو حزبا جادا في مساعي استرداد الديموقراطية. ومتى يا ترى يفقد أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الثقة في الإسلاموي؟ وإذا أخطأت كل تحليلاتنا في فهم لولبية الشعبي، واتضح أنها مقصودة لذاتها، فما الذي يمنع خطوته الوديعة هذه من أن تكون جزء من تبادل أدوار إسلاميين لفتنة المعارضة؟

[email protected]




خدمات المحتوى



مساحة اعلانية


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

أخبار ذات صلة

0 تعليق

الاراء والاخبار والتحليلات والتعليقات المنشورة على الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي موقع اخبار العرب ، ولكن تعبّر عن رأي كاتبها فقط.