Document Title

"حمقى السينما" وجنون الفن السابع .. مدارات اللاوعي والإبداع

هسبريس 0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة

عبد الله الساورة

السبت 23 شتنبر 2017 - 04:00

يفتح الحمقى الدروب الصعبة، وبعد ذلك يتسابق عليها العلماء، فكما يقول نيتشه "في الحب هناك دائما شيء من الجنون، خصوصا في الجنون هناك شيء من العقل".

فجميع الفنون قاربت مفهوم الجنون، ولكن السينما اقتحمته بشكل كبير وبدت متخصصة فيه، حتى بدا الجنون/الحمق فرجة جماهيرية خلال القرن العشرين بأسئلة متعددة الأوجه. يمكن الحديث عن "الجنون في السينما"، وفي المقابل يمكن الحديث عن "جنون السينما" عبر مسارها التاريخي التقني، كما لو كنّا نتحدث عن عملة بوجهين لا يمكن إيجاد الثاني منها من دون البحث عن وجهها الأول.

مثل أي تظاهرة فنية، أول وأهم خطوة تكون فيها هي الإبداع، فأول ما ابتدأت به السينما هو جنون الفنانين، وهي بوابة العرابين للدخول منها إلى عوالم السينما. وهي أول الأفلام التي ناقشت موضوع الجنون داخل السينما.

تحدث طويلا الكاتب المغربي سعيد بن كراد عن الفرق بين الحمق والجنون في ترجمته الرائعة لكتاب "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" لميشيل فوكو، وما يطرحه هذا التباين والمفارقة بين الجنون والحمق في اللغة العربية. وأول فيلم تعرض لموضوع الجنون هو فيلم "المجنون ذو الشعر الأحمر" للمخرج فنسيت مينللي/ 1956، الذي ركز على صورة الفنان التشكيلي فان غوغ. وحتى فيلم "الحب هو الشيطان" للمخرج جون مايبورغ/1998، وهو دراسة لشخصية فرنسيس باكون.

هذان الفيلمان اقتربا كثيرا من مفهوم الجنون كحالة عقلية في مداراته اللاواعية. ثم فيلم "دروس الحياة" للمخرج العالمي مارتن سكورسيزي، وهو عمل جماعي من "حكايات نيويورك"؛ حيث يتقمص الممثل نيك نولت شخصية فنان تشكيلي يحبس نفسه في علاقة عاطفية وجنسية تجمعه بشاب مراهق. بينما عمّق فيلم "بولوك" للمخرج إيد هاريس (2000) درجة الألم والمعاناة وارتباطها بالجنون.

كل هذه الأفلام التي تطرقت للجنون تتحدث عن: العزلة، المواجهة القاتلة مع الذات ونوازعها الداخلية، من دون الاعتماد على أي أحد.

صورة تنتقل إلى العالم/ المخترع المهووس بإنجاز علمي يريد تحقيقه بطريقة مستحيلة أو العكس. حالة الضعف الشخصي التي تجعله يخرج من علاقاته العاطفية التي يمتلكها، وهذه أسوأ الأشياء.

من بين هذه الأفلام الفيلم الكلاسيكي الشهير "الدكتور جيكل" الذي انبثق من ريشة روبير لويس ستيفنسون، الذي عرف مجموعة من النسخ السينمائية بعد الفيلم الأول. وانطلاقا من فيلم "الرجل غير المرئي" للمخرج جيمس وال/1933 حتى فيلم "محيي الموتى" للمخرج ستيوارت غوردن، مرورا بـ"خطيبة فرانكشتاين" للمخرج جيمس وال /1935، ثم فيلم "الدكتور سيكلوبيس" /1940 للمخرج ارنست. ب. شويساك، جميع هذه الأفلام قلصت من حجم الأشخاص وأعطت لفكرة الاختراع وتحقيقها هوسا أكبر من ذات المخترع المصاب برهاب العظمة.

بعض الأفلام كانت ضحية بعض المؤلفين وتناولت هذه الحفرة السوداء المسماة بـ"الحصار"، من بينها فيلم "بارتين فينك" (1991) من إخراج الأخوين جويل وإيثان كوين، ثم فيلم "سارق زهرة الأركياديس" (2002) (زهرة ترمز للخلود والبقاء) للمخرج سبايك جونس. هذه أفلام بعناوين براغماتية وبتطبيقات فريدة واستثنائية.

يبرز فيلم "قلب الظلام" (1991)، للمخرجين فاكس بحر وجورج تشكين لوبر، مغامرة حيث يتداخل الخيال والواقع بطريقة عجيبة ورائعة. فيلم جدير بالمشاهدة، فيلم "القيامة الآن" (1979) للمخرج العالمي المخضرم فرنسيس فورد كوبولا، وهو فيلم مستوحى من كتاب جوزيف كونراد "قلب الظلام"، يحكي عن حرب فيتنام والكابتان "ويار" المجسد من طرف مارتن شين. وهو سفر نفسي نحو النزول إلى قاع الهاوية والجنون، أو "الجزع الكبير" كما يسميه كورتر في كل وجوده المطلق. رغم المشاكل التي أعاقت فريق تصوير الفيلم: العواصف المطرية الشديدة والسكتة القلبية المفاجأة التي ألمت بالممثل مارتن شين، استطاع المخرج كوبولا أن ينجز الفيلم؛ حيث فقد تقريبا المنطق، لمنحنا قطعة فنية رئيسية في السينما المعاصرة.

انطلاقا من الحرب العالمية الأولى وسيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على الإنتاج السينمائي العالمي عبر مجموعة من الفنانين المشهورين، ومن بينهم: شارلي شابلن، ماري بيكفورد، دوغلاس فايربنك، باولا نيغري… أو ما سمي "ستار سيستم" (سياسة صناعة النجوم)، سيطروا على الشاشة الكبيرة، لكن هناك من المخرجين من انطلق في تحديد الجنون انطلاقا من وجهة نظر المتفرج.

إنه النجم أودلف فانينو، الأسطورة الإيروتيكية الذي مات في سن 31 عاما، وحينما انتشر خبر موته أقدمت مجموعة من النساء على الانتحار معتقدات أنه بدون هذا النجم السينمائي لا قيمة للحياة. جنازة مهيبة شاركت فيها الجماهير في كل من مدينتي نيويورك ولوس أنجلس، أعقبها حزن عميق. عموما حتى وقت قريب، امرأة غامضة بلباس أسود تركت وردة على قبر النجم في ذكرى وفاته.

الآن، كلما توفي نجم سينمائي توالت الأخبار عن المعجبين به تحمل علامات الحزن والانتحار. يجب ألا ننسى كذلك الظاهرة الجديدة التي سميت "فريكي" (friki)، وهو اجتماع المعجبين بأفلام حققت شهرة عالمية، وتقليد لباس شخصيات الأفلام وحركاتهم، وهي ظاهرة تحدد هذا الجنون كما في "ستار تريك" و"حرب النجوم" و"سيد الخواتم"، بل يعمدون إلى عقد ندوات، وسهرات وتناول بعض الأطعمة وتقليد الأشياء (لباس، حلي، تسريحة الشعر….) وكذلك صور أبطال هذه الأفلام.

جنون آخر هو جنون الباحثين عن التحف السينمائية ومن يبحثون عن قطع وأكسسوارات النجوم، لباس، أحذية، أثاث، آلة تصوير… بملايين الدولارات، يوازيه جامعو توقيعات ووشم النجوم وألبستهم، مرورا بعشاق السينما الذين يقضون ساعات طويلة من دون كلل أو ملل في مشاهدة الأفلام وإعادة مشاهدتها طويلا…إنه جنون السينما.

فكما يقول أمبروس بريس: "كلنا مجانين لكن من يحلل جنونه يدعى فيلسوفا".

0 تعليق

الاراء والاخبار والتحليلات والتعليقات المنشورة على الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي موقع اخبار العرب ، ولكن تعبّر عن رأي كاتبها فقط.